الشيخ محمد هادي معرفة

540

التفسير الأثرى الجامع

واليقين بيوم الحساب . هذه العقيدة اللّائقة بأن تكون ختام العقائد وآخر الرسالات . * * * ثمّ إنّ هذه العقيدة ، في الوقت الّذي ترفع بالإنسان عن البهيميّة وتجعله ذا مسئوليّة ، وتفرض عليه تكاليف متناسقة مع طاقاته بلا مشقّة ولا إعنات ، ومتناسبة مع حاجات الجسد والعقل والروح في تناسق يمثّل الفطرة الّتي فطر الإنسان عليها ، كما وتحمّل الإنسان تبعة اختياره للطريق الّذي يختار : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ . وهكذا يتحكّم العدل في التكليف ، وفي تحمّل تبعة الاختيار في السلوك . وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها . وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها « 1 » . وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى . ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى « 2 » . * * * نعم ، تلك ظاهرة دينيّة يلمسها كلّ من تعمّق في أصول الديانات وأن لا تكليف فوق الطاقات ، وأنّ الجميع مسؤولون عن سلوكهم فيما يختارونه من طريق . وكأنّ المؤمنين وعوا هذه الحقيقة وأدركوها حقّ إدراك ، فها هو ذا ينطلق من قلوبهم دعاء خائف واجف : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا نسيانا وخطأ عن قصور أحيانا ، الأمر الّذي قد يستوجب المؤاخذة عليه . لكنّ الإنسان إنسان قد تعتريه غفوة وغفلة ، فيستوجب عفوا ومغفرة . رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً تكليفا شاقّا ، عقوبة على ما قد يفرط منّا غفوة ، كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا على أثر شقاقهم وتفريطهم في جنب اللّه . وهذا يعني : أن يعصمهم اللّه من اقتراف ما يستوجب الشقاء ، فلا يتفرّطوا فيما تفرّطوا فيه . رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ من العقوبات والبلايا والفتن والمحن غير المستطاعة « 3 » .

--> ( 1 ) الشمس 91 : 7 - 10 . ( 2 ) النجم 53 : 39 - 41 . ( 3 ) المنار 3 : 151 .